محمد غازي عرابي

1121

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ الحاقة : 13 ، 37 ] المنظر كشفي يشاهده العارف في القيامة الصغرى في السماء ، ووصفناه في كتابنا العارف باللّه ، والمنظر يري المشاهد الناس دودا على عود في يم المادة ، كل حزب من اسمهم صادرون ، والأسماء صادرة عن الروح الكلي جبريل ، صاحب الصوت الكوني المسمى الصور ، والنفخ في الصور مستمر ، وقال جلال الدين الرومي : هذا الصوت أطلقه المليك وإن خرج من فم عبد اللّه ، وقال الشبلي : لي ثلاثون سنة أكلم اللّه ، والناس يحسبون إني أكلمهم ، فجبريل ينفخ في الصور أولا ، فيتكلم الناس من فضلة النفخ ثانيا ، فالناس آلات وأبواق ، والأرض أرض الأبدان ، والجبال العقول في الرؤوس ، فإذا انشقت سماء المعقولات ، وهذه السماء واهية ، لأن المعقولات قائمة بالصوت الجبريلي فهو وحيها ، وهي مراتبه وأجنحته وتصاويره ومقدراته ، كانت النتيجة أن الملك هو الحاكم ، وهو الكل ، وهو حكمة اللّه وقدرته ، كما عرفت الصوفية جبريل ، والثمانية ما يتكون منه العقل الجزئي وسبق الحديث عنها من قبل ، وأصحاب اليمين هم من غطاهم الصوت الجبريلي بجناحه الأيمن ، فكانوا المهتدين ، وأصحاب جنة النعيم ، والمكرمين الآكلين الرطب والشاربين من عيون علوم السلسبيل والزنجبيل والكافور ، وهؤلاء سعداء أزلا ، سعداء أبدا ، فهم أصحاب الصفات الجميلة ، أما أصحاب الشمال فهم من بسط جبريل فوقهم جناحه الأيسر ، وجناحه هذا للقهر والسطوة والخذلان ، أو كما قال الرومي : نحن في الحرب صدى لقهره ، ونحن في الحب صدى للطفه ، فما نحن في هذا العالم المعقد ؟ إننا كالألف . فأصحاب الشمال مذلون ، ضالون ، حائرون في معميات الحياة ، يتخبطون ، لا يدرون لهم جهة ولا غاية ، ولا يعلمون أي بحر يركبون ، من العدم جاؤوا ، وفيه عاشوا ، وإليه يصيرون ، ويوم تكشف حرب الكشوف عن ساق يرى هؤلاء ما لم يكونوا يرون ، رؤيا اليقين ما هم فيه ، وما قدرهم ، وفي أي واد يهوون ، فالأفكار السوء تغزوهم ، وتأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، محجوبون عن اللّه ، وعن أصحاب اليمين ، ينادونهم من مكان بعيد أن أفرغوا علينا مما لديكم ، فيسألهم هؤلاء وأين ما كنتم تعملون ، فلا نجاة لأصحاب الشمال وهم في نار الحجاب مقيمون ، غارقون في الحمأة والأوحال ، أسرى الشهوة والغريزة والغضب . ليس لهم طعام إلا من معقولهم وأسمائهم ، وهي أسماء جلال وانتقام ، فسبحان من خلق آدم ، فضرب بيمينه على يساره فأخرج ذرية بيضاء كالفضة ، ومن اليسرى سوداء كالفحم ، ثم قال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي .